أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

مقدمة 5

العمدة في صناعة الشعر ونقده

الجزء الأول مقدمة الطبعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد اللّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول اللّه محمد بن عبد اللّه ، رحمة اللّه المهداة ، ونعمته المسداة ، وسراجه المنير ، وعلى آله وصحبه وسلم وبعد : فقد أراد اللّه سبحانه وتعالى لهذا السّفر أن يرى النور بعد أن ظل في رحم الزمن ما يقرب من خمسة عشر عاما ، كانت كلها جهادا في سبيل الكلمة ، وكان في هذه السنين ما يشبه حالات الحب بين المحبين ، ففيها صد وهجر وبعد ، ثم رضا وقرب ومودة ، ولم تكن أوقات الصد إلا نوعا من إشعال نار الحب في القلب ، فهل رأيت أبا يكره ابنه حتى وإن ابتعد عنه ، وأمره بالابتعاد ؟ ! ولا يظن ظان أن هذه السنوات كانت متصلة العمل في الكتاب ، ولكنها كانت متصلة التفكير فيه ، وكان يشغلني في أثنائها ما يشغل كل قائم بعمل التدريس في الجامعة من تحضير للدروس ، ومن إعداد الأبحاث والكتب للترقية ، وما أقسى هذه الفترة على النفس البشرية ، وبخاصة إذا كان هناك تهديد من بعض من لا يخافون اللّه باضطهاد هذا أو ذاك ! ! إن العمل في هذه الحالة يكون بمثابة عمل الجندي في ميدان الحرب ، فإما أن يصطاد عدوّه أو يصطاده عدوّه ، اضطراب دائم ، وزفرات متواصلة ، وخوف من كل شيء ، ومن لا شيء ! ! كنت أنصرف عن العمدة إلى غيره من الكتب ، ولم يكن انصرافي عنه كرها فيه ، وإنما يكون بسبب ظهور بعض العقبات التي توقف المسيرة بعض الشئ ، ولكنها تدفع بعد ذلك إلى الطريق الصحيح ، وأستطيع أن أشبه هذه الحالة بالجنادل التي تقف في وجه ماء النيل ، فإنها لا تقطع الماء ولا تمنعه ، ولكنها تحوّله من مساره إلى مسار آخر أشد قوة ،